ابن حزم
279
الاحكام
إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له وعليه الوارث مثل ذلك ) ففرقوا بين مضارة الوالد بولده فأوجبوا فيها النفقة ، وبين مضارة الوارث بموروثه ، فلم يوجبوا فيها النفقة ، وقد سوى الله عز وجل بينهما تسوية واحدة ، ولا ضرر في التمييز والعقل ، أعظم من ترك الوارث موروثه يسأل أو يموت جوعا ، وهو ذو مال يغنيه ، ويفضل عنه ، وخالفوا في ذلك حكم عمر بن الخطاب وعمله . وقال المالكيون : أمر تعالى بالمكاتبة ندب ، وأمره بإتيانهم من مال الله الذي آتاهم ندب ، وأمره بالمتعة ندب ، ثم قالوا قوله تعالى : * ( ) * فرض ، فلو تدبروا هذه الفضائح التي يطلقون ، لكان أولى بهم من معارضة أوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم بهذيان لا يطردونه ، بل يتناقضون فيه في كل حين ، فمرة يقولون في بعض الأوامر ليس فرضا ، فإذا قيل لهم قد أمر الله تعالى بها ، قالوا الأوامر موقوفة ، ولا يحمل على الفرض إلا بدليل ، ومرة يوجبون الأوامر فرضا بلا دليل ولا قرينة إلا التحكم والتقليد فقط ، وبالله تعالى التوفيق . قال علي : وأما الموافقون لهم على الوقف من أصحاب الشافعي ، فإنهم يقولون : إن لم نجد دليلا على أن الامر على الندب أمضينا الأوامر على الوجوب . قال علي : وهذا ترك منهم لقولهم بالوقف ، لأنهم راجعون إلى إمضاء الأوامر على الوجوب بمجردها بلا قرينة ، إذا عدموا دليلا على الندب . قال علي : وهذا قولنا نفسه ، ولم نخالفهم في أن الامر إذا جاء نص أو إجماع على أنه ندب ، فواجب أن يصار إلى أنه ندب ، وإنما خالفناهم في الوقف فقط . قال علي : ونسألهم ألهذا الوقف غاية ؟ فإن حدوا حدا كلفوا عليه البرهان ولا سبيل إليه ، فإن لم يجدوا فيه حدا صار مدة العمر ، فبطل العمل بشئ من الأوامر وهذا يؤدي إلى إبطال الشريعة . وقد احتج بعض من يقول بقولنا ممن سلف ، فقال : لو كان الامر لا يعلم بلفظه أنه على الوجوب ، لكان لا يخلو من أن يعلم المراد فيه ، إما بأمر آخر ، أو بشئ يستخرج من الامر ، وكلا الامرين فلا بد من الرجوع فيه إلى أمر ،